التاريخ: 2016-06-28 08:19:08

إن الحمد لله …

أما بعد:

فها هي أيام رمضان تسارع مؤذنة بالانصراف والرحيل، وها هي أيام العشر تحل لتكون الفرصة الأخيرة لمن فرط في أول الشهر، أو لتكون التاج الخاتم لمن أصلح ووفى فيما مضى.

أيها الأحبة: العشر الأخيرة من شهر رمضان سوق عظيم، يتنافس فيه العاكفون، وموسم يضيق فيه المفرّطون، وامتحان تبتلى فيها الهمم، ويتميز أهل الآخرة من أهل الدنيا، طالما تحدث الخطباء، وأطنب الوعاظ، وأفاض الناصحون بذكر فضائل هذه الليالي، ويستجيب لهذا النداء الحاني قلوب من خالط الإيمان بشاشتها، فسلكت هذه الفئة المستجيبة طريق المؤمنين، وانضمت إلى قافلة الراكعين الساجدين، واختلطت دموع أصحابها بدعائهم في جنح الظلام، وربك يسمع ويجيب، وما ربك بظلام للعبيد.

أما الفئة الأخرى، فتسمع النداء وكأنه لا يعنيها، وتسمع المؤمنين وهم يصلون في القيام لخالقهم وكأنه ليس لهم حاجة، بل كأنهم قد ضمنوا الجنة.

فهل يتأمل الشاردون؟ وهل يعيد الحساب المفرطون؟

أيها المسلمون: وفي الليل سواء كان في رمضان أو غيره، ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله -تعالى- شيئاً من أمور الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وهو وقت النـزول الإلهي، ومنه الثلث الأخير من الليل، يقول الله -تعالى-: "هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟".

فأين أنت -يا عبد الله- عن هذا المورد العظيم، وإذا غلبتك نفسك في سائر العام أفلا تغلبها على الأقل في هذه الليالي والأيام.

أيها المسلمون: أيام عشر رمضان المباركة، حصلت فيها أول انطلاقة للإسلام، وأول مشع لنوره الوضّاء.

عشر رمضان التي نزلت فيها الهداية الربانية، وأخذ العالم العلوي فيها يتصل بالعالم الأرضي.

عشر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

عشر شرفت بليلة القدر العظمى التي شهد لها الحق –سبحانه- بأنها خير من ألف شهر، وبأنها مباركة، ويفرق فيها كل أمر حكيم، وتنـزل فيها مواكب الملائكة الكرام إلى الأرض يحف بهم السلام يتنـزل فيها اشرف الملائكة الروح الأمين، وسفير الله بينه وبين سائر المرسلين جبريل -عليه الصلاة والسلام-، يتنـزلون فيها لكثرة ما ينـزل الله فيها على عباده من البركة والرحمة والعفو والرضا والغفران، ولتزين المؤمنين فيها بألوان الطاعات، وكثرة القربات، ينـزلون فيها ليحفوا بالمصلين، ويسلموا على المؤمنين، ويشهدوا للطائعين.

فيا أيها المسلمون الراجون عفو الله ومغفرته ورضاه: تعرضوا لذلك بفعل أسبابه، واتقوا الله وأروه تعالى من نفوسكم خيراً، أروه تعالى رجوعاً صادقاً إليه، وقلوباً خاشعة له، منكسرة بين يديه، وعيوناً محشرجة بالدموع، خوفاً من عقابه، ورغبة في ثوابه، وألسنة تالية لكتابه، مسبحة لجلاله.

أروه دوماً خيراً بالإخلاص له في الأعمال، والصدق في الأقوال، بتعظيم شعائره، واحترام مقدساته زمانية ومكانية، وتعرضوا بأعمالكم الطيبة وعزمكم الصادق على الرشد لنفحات بره وقدسه، فإن له تعالى في هذه الأيام نفحات، إنها أيام وليالي إعتاق الرقاب، وقبول المتاب، إنها أيام وليالي مضاعفة الحسنات ورفعة الدرجات، إنها أيام وليال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رغم ما هو محمّل به من أعباء الرسالة، وتبليغ الدعوة، ينقطع فيها عن الناس، ويفرغ نفسه لمناجاة ربه، وتلاوة كتابه، والقيام بين يديه آناء الليل راكعاً وساجداً يدعو ربه رغباً ورهباً.

روى البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر شد المئزر، وأحيا ليله، وأيقظ أهله".

ورويا عنها -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده".

عباد الله: إن الله -سبحانه وتعالى- قد تفضل عليكم بأن أبلغكم أيام رمضان المشرقة، ولياليه المباركة، وإن ذلكم لنعمة كبرى واجبة الشكر، وشكرها يتجلى في اغتنامها، فاتقوا الله واغتنموها بالأعمال الصالحة.

اغتنموا ما بقي فان أحدكم لا يدري أين هو من رمضان القادم، وأين رمضان القادم منه، وإن الله -سبحانه وتعالى- لما أعطى أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ليلة القدر حددها في ليال قليلة، وأخفاها بين غضون تلكم الليالي، أخفاها إهابةً بكم وحثاً لكم -أيها المسلمون- بأن تستمروا في طاعته، وتستغرقوا في مناجاته، ولتكبروه تعالى على ما هداكم له، لتفوزوا بجزاء الشاكرين، وعظيم مثوبة الطائعين.

يقول صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان وصامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".

ويقول: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".

ويقول جل وعلا : (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)[القدر: 5].

إن مما شرعه الله في هذا الشهر المبارك: زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر منه؛ لأنها ليالي الإعتاق من النار، لمن استحقوا دخول النار، إذا تابوا من ذنوبهم، واجتهدوا في هذه الليالي بنية صالحة.

ولأنها الليالي التي كان اجتهاد النبي -صلى الله عليه وسلم- يتزايد فيها، فكان يحييها بالتهجد والقيام، وكان يعتكف في المسجد للتفرغ للعبادة.

ففي الاجتهاد فيها اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ، وعملٌ بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الأحزاب: 21].

ولأنها الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر، التي قال الله -تعالى- فيها: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) أي: العمل في هذه الليلة خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.

وقيامها إنما يحصل يقيناً بالقيام في كل ليالي الشهر، ولا سيما ليالي العشر الأواخر، فهي أرجى لتحريها وآكد لموافقتها.

فهي لم تحدد في ليلة معينة من الشهر؛ لأن الله -سبحانه- أخفاها لأجل أن يكثر اجتهاد العباد في تحريها، ويقوموا ليالي الشهر كلها لطلبها، فتحصل لهم كثرة العمل، وكثرة الأجر، وليتميز المجد من الكسلان.

فاجتهدوا -رحمكم الله- في هذه العشر التي هي ختام الشهر، وأيام الإعتاق من النار.

إنه شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.

فالمسلم الذي وفقه الله للعمل في هذا الشهر، ومرت عليه مواسم الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وقام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، حريٌّ أن يفوز بكل خيرات، هذا الشهر ونفحاته، فينال الدرجات العالية، بما أسلفه في الأيام الخالية.

ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال يعملها فيها، منها: أحياء لياليها بالتهجد والقيام.

ومنها: أنه كان يوقظ أهله للصلاة، وكل صغير وكبير يطيق الصلاة، وهذا شيء أهمله اليوم كثير من الناس مع أهلهم وأولادهم، فيتركونهم يسهرون على اللعب واللهو، يسرحون في الشوارع، أو يجلسون في البيوت يشاهدون الأفلام والمسلسلات، ويسمعون الأغاني والمزامير طيلة ليالي رمضان، فلا يستفيدون منه إلا الآثام، وإذا جاء النهار ناموا حتى عن أداء فرائض الصلوات؛ لأنهم تربوا على عدم احترام رمضان، وهذا نتيجة إهمال أوليائهم، فبئست التربية، وبئست الولاية، وسيسألهم الله يوم القيامة عن إهمال رعيتهم، وإضاعة مسؤوليتهم، قال صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

ومن الأعمال التي كان صلى الله عليه وسلم يختص بها العشر الأواخر: الاعتكاف، وهو لزوم المسجد للعبادة، وعدم الخروج منه إلا لحاجة ضرورية، ثم يرجع إليه.

كان صلى الله عليه وسلم يعتكف في هذه العشر قطعاً لأشغاله، وتفريغاً لباله، وتخليا لمناجاة ربه وذكره ودعائه.

فاجتهدوا -رحمكم الله- في هذه العشر التي هي ختام الشهر، والتي هي أرجى ما يكون لموافقة ليلة القدر، وأكثروا من الجلوس في المساجد للذكر وتلاوة القرآن إذا لم تتمكنوا من الاعتكاف.

(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)[آل عمران: 133-136].

الشيخ ناصر بن محمد الأحمد