ذكرى ...  كتب الناطق الاعلامي باسم الشرطة العقيد لؤي ارزيقات.

ذكرى  ...  كتب الناطق الاعلامي باسم الشرطة العقيد لؤي ارزيقات.
تاريخ النشر: 2022/10/23 - 09:40 مساءا

رام الله - المديرية العامة للشرطة -  اشهر طويلة والعائلة تنتظر هذا الموسم وهذه الايام واللحظات التي سيقضيها الاب مع اطفاله لاول مرة منذ سنوات   غاب فيها عنهم قصرا بسبب الاعتقال في سجون الاحتلال و عن تلك الحفلة السنوية التي تقطف فيها ثمار الزيتون وفيها تقضى العائلة اللحظات الجميلة في حب الارض والزيتون وتجتمع فيها على ثرى الارض وترابها بعيدا عن ضوضاء الحياة ومشاغلها لتنشغل بالارض والزيتون واتمام مراسم هذا الاحتفال  فتقوم  بتجهيز الطعام على النار وتشرب الشاي مع نسمات الهواء العليل الذي فيه تختلط رائحة الزيت والزيتون برائحة الاعشاب وحشائش الارض والتراب المنبعثه مع كل حركة يتحركها احدهم بين اشجار الزيتون وعلى ترابها .

في تلك الليلة تحضر الجميع ونام الاطفال باكرا وطوال الليل يحلمون متى ياتي الصباح وماذا سيعملون في اليوم  التالي والذي فيه سيحققون ما انتظروه لسنوات ففي كل عام كانوا يقطفون الزيتون وحدهم ويشعلون النار وحدهم ويشربون الشاي وحدهم ولا يستطيعون حمل الزيتون فيستعينوا  بالاخرين ليساعدوهم ولكن هذا العام سيتغير كل شيء وسيتذوقون الطعام والشراب بطعم جديد سيكون للشاي والطعام طعما اخر وسيكون المشي الى الارض مختلفا كل الاختلاف وسيكون لرائحة دخان النار شيء مميز لان من سيرافقهم ومن سيشعلها هو والدهم ولن يحتاجوا لطلب المساعدة من احد لان سندهم ورب اسرتهم ومعيلهم وعامود بيتهم سيكون حاضرا معهم .

دقت عقارب الساعة وصارت السادسة صباحا  في ذاك اليوم الخريفي والذي لا يزال البرد معشعشا ومتشبثا في جدران المنزل وبين الحجارة وفي حقول الزيتون  وعلى جنبات الطرقات ،  ولكن العائلة ايقنت ان الوقت اصبح مناسبا للتحرك لكسب الوقت وقضائه في قطف  الزيتون فالاب نادى على ابنائه فوجدهم قد افاقوا قبله من شدة فرحتهم. سار الجميع بعد ان صلوا الفجر وحزموا امتعتهم واغراضهم وتوجهوا الى ارضهم وما هي الا دقائق حتى وصلوا الارض وبداوا بعملهم والاب يمازح هذا ويحذر ذاك من خطر الصعود للاشجار ويطلب من زوجته الانتباه وينادي على امه للجلوس والاستراحة كي لا تتعب ويرهقها العمل . 

كان الاب ورغم الفرح والسرور ينظر لاطفاله وزوجته وامه نظرات لم يعتادوا عليها وكانها النظرات الاخيرة نظرات الوداع استطاع ان يشبع نظره منهم قبل الرحيل دون ان يشعر احد ودون ان يتسلل الشك لاحدهم لكنه هو الراحل الذي قرر ان يقضي يومه الاخير بين عائلته وفي ارضه واحضان الطبيعة ليوزع الذكريات التي سترسخ في عقولهم وتستقر في اذهانهم كلما مروا بتلك المنطقة وكلما حل الموسم واشتموا رائحة الزيت والزيتون وكلما تذكروا  تلك اللحظات سيذرفون  الدموع لان همهم كان الفرح والمرح مع والدهم الذي غاب عنهم لسنوات دون علمهم بانه سيغيب وللابد وسيرحل دون عودة ولن يشاركهم في الزيتون ولا الطعام ولا المزاح ولا الضحكات وكأن الحقيقة كانت حلم للحظات . 

ساعات الفرح والسعادة والسرور لم تدم طويلا  ومرت كلمح البصر وسرعان ما تحولت هذه السعادة العارمة لحزن وفقدان ولماساة حقيقية بعد ان جاء شاب يقود مركبته المشطوبة مسرعا مشحطا مفحطا غير آبه بمنعطفات ولا بشارع لا يحتمل سرعة ابتاعها بابخس الاثمان ولم يجر عليها اي صيانة ليقتل بها اغلى انسان على مرأى ومسمع اطفال وام وزوجة غشيتهم الصدمة وفاجئهم الموقف وذهلتهم تضحية  الاب الذي سلم نفسه وروحه للموت ليهب الحياة لاطفاله وعائلته بتلقيه الضربة عنهم والوقوف بينهم وبين المركبة التي قادها ذاك الشاب الهارب بطيش واهمال وفجرها كقنبلة مزقت جسد الاب الذي حاول حماية ابنائه عندما شاهد هول الواقعة وتاكد بان الموت قادم فقدم جسده وروحه فداءللام والزوجة والاطفال . 

كانت لحظات صعبة اختلطت فيها رائحة الدم برائحة الموت وتبدلت رائحة الزيت والزيتون برائحة الدخان المنبعث من محرك المركبة وتبدلت الضحكات والابتسامات لصراخ وبكاء وخوف شديد . 
لحظات مُزق فيها جسد الاب والابناء  وقُطعت فيها الارجل والاطراف والادهى والاصعب ان الشاب المتهور ترك الواقع والحال ولاذ بالفرار قبل ان يقدم المساعدة لمن ارداهم في الارض مجندلين بين قتيل وجريح. وكانها معركة استمرت لساعات . 

الام والزوجة والابناء الصغار شاهدوا سقوط المركبة على والدهم فهرعت الام والزوجة لتنتشلا جسده الممزق من تحت ركامها ولتبحثا في مسامات جلده وعروقه لتمعنا تدفق الدماء منها وفي نبضات قلبه وشرايينه عن بصيص يستشعرن انفاسه المثقله وعن امل للحياة ولكن  دون جدوى  فقد سبق القدر كل الامل و سلم الاب  روحه لخالقها وبارئها في هدوء غير معتاد .

واصبح رب الاسرة واب الاطفال الذي كان قبل لحظات بينهم ومعهم  يطعمهم ويسقيهم ويقطف الزيتون والتين والعنب ويوزع الابتسامات والفرح ذكرى وكانه لم يعش يوما على وجه هذه البسيطة .

ستعلق صوره  على جدران المنزل وستبقى ذكراه  حاضرة وهو  متواجد بروحه وذكرياته وضحكاته وابتساماته ونظراته وسيتذكره الاهل كلما نظر احدهم من نافذة المنزل وشرفته  المطلة على ذاك القبر المسجى بداخله جسد الزوج والاب والابن فهذا البيت الذي سكنه مؤخرا قبل اكمال تجهيزه  وضع بجانبه قبره الذي دُفن فيه فكيف لهم ان ينسوه وكيف لهم ان تغيب عنهم هذه اللحظات الصعبة العصيبة والتي ستبقى ذكرى للابد .


جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر الشرطة الفلسطينية

حالة الطقس

أسعار العملات
23 فبراير 2024
العملة
بيع

المناسبات الاجتماعية

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر